يوسف المرعشلي

481

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

طلعت كفجر طال وامتدّ ليله * فكنت كنور العين من فاقد البصر بقي عليّ أن أحدثكم عن معتقد والدي الديني وعن وطنيته . لقد عاش والدي تقدّميا في تفكيره الديني ! وجهد طول حياته أن ينفض عن الدين الحنيف ما علق به من غبار البدع ، ويجلو عنه صدأ الخرافات ، حتى يبدو مشعّا بفطرته السليمة وبساطته المحببة ، فاتهمه العثمانيون بأنه « وهّابي » ، وذاق من أجل ذلك مرارة السجن في عهد السلطان عبد الحميد ، لأن السلطة الحاكمة وجدت في بيته رسالة « التوحيد » للشيخ محمد عبده وبعض أعداد « المنار » للشيخ محمد رشيد رضا ، ولولا لطف اللّه لذهب طعاما للسمك في مرمرة كما ذهب كثير غيره . وأما معتقده الوطني فكان قويا ، وقد وقف حياته على بث الروح العربية في أفئدة تلاميذه ، وكان جريئا في دعواه لصدقه في وطنيته . وأذكر أنه وقف في عام 1920 أمام المندوب السامي الفرنسي جورج بيكو ، وألقى كلمة باسم وفد المعلمين تولّى ترجمتها المرحوم الأستاذ رامز المخزومي مدير المعارف آنذاك . قال والدي : لقد حاولت ألمانيا أن « تجر من » مقاطعتي الألزاس واللورين الفرنسيتين فلم تستطع لذلك سبيلا ، وظلت هاتان المقاطعتان مخلصتين للوطن الأم ، وكذلك حاول العثمانيون أن يجعلوا منا أتراكا فلم تتحقق أمنيتهم بل ظللنا عربا وسنظل عربا إلى الأبد ، فأعجب بيكو بجرأة والدي وهنّأه على وطنيته . وقد ظلّ والدي أستاذا في داري المعلمين والمعلمات أيام الانتداب الفرنسي حتى أحيل على التقاعد في سنة 1929 . وبعد ثلاث سنوات من تقاعده اشتدت وطأة السكري عليه فانتقل إلى الرفيق الأعلى يوم الثالث من آب سنة 1932 ، مبكيا عليه من طلابه الكثر ومقدري علمه ووطنيته . وشيع بموكب حافل اشترك فيه أبناء بيروت وكبار رجال السلطة . وقد أعقب ثلاث بنين هم كامل وشريف وصلاح ، وست بنات كلهن تخرجن من دور المعلمات ووقفن حياتهن على تعليم الناشئة . سليم البخاري - سليم بن إسماعيل ( ت 1347 ه ) . سليم البشري « * » ( 1248 - 1335 ه ) الشيخ سليم البشري ابن السيد أبي فراج ابن السيد سليم ابن السيد أبي فراج المالكي المذهب ، شيخ الجامع الأزهر ، وهو الشيخ الرابع والعشرون ، وشيخ السادة المالكية . ولد سنة 1248 ه / 1832 م في محلة بشر من أعمال مركز شبرا خيت بمديرية البحيرة ، ونشأ بها ، وكان أبواه من متوسطي اليسار . ولما بلغ السابعة من العمر توفي والده . وتلقى مبادئ العلم ، وحفظ القرآن الكريم ببلده ، وفي التاسعة من عمره سافر إلى القاهرة لطلب العلم ، ونزل على خاله ، وقرأ عليه العلوم وروايات القرآن ، ثم التحق بالأزهر ، وتلقى العلم على كبار علماء عصره كالشيخ الخناني ، وعليش ، والباجوري وغيرهم . ولما تخرج عيّن شيخا للجامع الزينبي بالقاهرة ، ثم مدرّسا بالأزهر ، وتخرج عليه كثيرون من العلماء كالشيخ محمد عرفة ، والشيخ محمد راشد ، والشيخ البسيوني البيباني ، ثم عيّن شيخا للأزهر مرتين سنة 1317 ه ، وسنة 1327 ه . وكان واسع الاطلاع في علوم السنة ، ونبغ نبوغا أبلغه درجة السلف الصالحين من رواة حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وكان من أكبر المناهضين والمنافسين للسيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده . ولما تولّى مشيخة الأزهر في المرة الثانية اشترط ألا يليها إلا إذا أرفه من حال العلماء والطلبة ووسع في أرزاقهم وردت إليهم حقوقهم ، فتقرر يومئذ زيادة مرتبات العلماء عشرة آلاف جنيه سنويا ، وصرح لكل عالم بركوب السكة الحديدية بنصف أجرة وكذلك

--> ( * ) « الكنز الثمين لعظماء المصريين » 1 / 106 ، و « كنز الجوهر في تاريخ الأزهر » ، و « مرآة العصر » : 2 / 465 ، و « سبل النجاح » الجزء الثاني ، و « المنظومة الشكرية » الجزء الرابع ، و « الجامع الأزهر » للشيخ محمود أبي العيون ، و « الأعلام الشرقية » : 1 / 313 - 314 ، و « الأعلام » للزركلي : 3 / 119 .